محمد بن جرير الطبري
12
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إلا " لا إله إلا الله " ، أو السيف . ثم أمر فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية ؛ فقال : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قال : كانت العرب ليس لها دين ، فكرهوا على الدين بالسيف ، قال ، ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس إذا أعطوا الجزية . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، قال : سمعت مجاهد ا يقول لغلام له نصراني : يا جرير أسلم ثم قال : هكذا كان يقال لهم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ قال : وذلك لما دل الناس في الإِسلام ، وأعطى أهل الكتاب الجزية . وقال آخرون : هذه الآية منسوخة ، وإنما نزلت قبل أن يفرض القتال . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري قال : سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى ذكره : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين ، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم ، فاستأذن الله في قتالهم ، فأذن له . وأولى هذه الأَقوال بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآية في خاص من الناس ، قال : عنى بقوله تعالى ذكره : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ أهل الكتابين والمجوس ، وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق ، وأخذ الجزية منه . وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا . وإنما قلنا هذا القول أولى الأَقوال في ذلك بالصواب لما قد دللنا عليه في كتابنا كتاب اللطيف من البيان عن أصول الأَحكام " من أن الناسخ غير كائن ناسخا إلا ما نفى حكم المنسوخ ، فلم يجز اجتماعهما . فأما ما كان ظاهره العموم من الأَمر والنهي وباطنه الخصوص ، فهو من الناس والمنسوخ بمعزل . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان غير مستحيل أن يقال : لا إكراه لأَحد ممن أخذت منه الجزية في الدين ، ولم يكن في الآية دليل على أن تأويلها بخلاف ذلك ، وكان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه أكره على الإِسلام قوما ، فأبى أن يقبل منهم إلا الإِسلام ، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه ، وذلك كعبدة الأَوثان من مشركي العرب ، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم ، وأنه ترك إكراه الآخرين على الإِسلام بقبوله الجزية منه ، وإقراره على دينه الباطل ، وذلك كأهل الكتابين ، ومن أشبههم ؛ كان بينا بذلك أن معنى قوله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ إنما هو لا إكراه في الدين لأَحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية ، ورضاه بحكم الإِسلام . ولا معنى لقول من زعم أن الآية منسوخة الحكم بالإِذن بالمحاربة . فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما روي عن ابن عباس وعمن روي عنه : من أنها نزلت في قوم من الأَنصار أرادوا أن يكرهوا أولادهم على الإِسلام ؟ قلنا : ذلك غير مدفوعة صحته ، ولكن الآية قد تنزل في خاص من الأَمر ، ثم يكون حكمها عاما في كل ما جانس المعنى الذي أنزلت فيه . فالذين أنزلت فيهم هذه الآية على ما ذكر ابن عباس وغيره ، إنما كانوا قوما دانوا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عقد الإِسلام لهم ، فنهى الله تعالى ذكره عن إكراههم على الإِسلام ، وأنزل بالنهي عن ذلك آية يعم حكمها كل من كان في مثل معناهم ممن كان على دين من الأَديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها ، وإقرارهم عليها على النحو الذي قلنا في ذلك . ومعنى قوله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ لا يكره أحد في دين الإِسلام عليه ، وإنما أدلت الأَلف واللام في الدين تعريفا للدين الذي عنى الله بقوله : لا إكراه فيه ، وأنه هو الإِسلام . وقد يحتمل أن يكون أدخلتا عقيبا من الهاء المنوية في الدين ، فيكون معنى الكلام حينئذ : وهو العلي العظيم لا إكراه في دينه ، قد تبين الرشد من الغي . وكأن هذا القول أشبه بتأويل الآية عندي . وأما قوله : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ فإنه مصدر من قول القائل : رشدت فأنا أرشد رشدا ورشدا ورشادا ، وذلك إذا أصاب الحق والصواب . وأما